e9e368ec322d21692762e258a46e6b1b.jpg

م 05:04 02 نوفمبر 2019

الحراك اللبناني وبشائر ربيع جديد

بقلم / صادق الشافعي

في اليوم الثالث عشر من انطلاقته المجيدة قطف حراك أهل لبنان أول زهرة في إكليل نجاحه وتحقيق كل مطالبه وآماله.
جاء الحراك في زمنه المطلوب. لم يعد ممكناً أن يتأخر عن هذا الزمن. وما زال الحراك مستمراً ومتواصلاً بنفس زخمه الجماهيري وإصراره حتى تكسو أزهار الإنجاز والتحقق كل الإكليل. وما زال الفرح والترحيب، ومعهما الأمل الواثق، حاضرين مع الحراك اللبناني وهو يستمر متمسكاً بنيل كافة مطالبه.
ولكن ومضات من القلق تبقى قادرة على التسلل إلى النفس، قادمة من مشاعر الحرص والرغبة العارمة أن يصل الحراك إلى بر أمانه المنشود ونيل كامل مطالبه، وكلها حقيقية وضرورية وعادلة.
أما عن الفرح فبواعثه لا تعد ولا تحصى.
أولها، الزخم الجماهيري العارم للحراك الشعبي والممتد على مساحة الوطن اللبناني كله.
وثانيها، الطيف الاجتماعي الواسع والمتنوع الذي يشكل مادة الحدث ومحركه، وفي المقدمة منه الشباب ومعهم الصبايا وعلى قدم المساواة.
وثالثها، انعتاق الحراك من إسار الطائفية وزعاماتها وأحزابها السياسية، وهو ما ظل هدفاً وطنياً عاماً، وأملاً مرجواً منذ زمن بعيد.
ورابعها، وحدة المطالب وحقيقيتها وجذريتها في نفس الوقت، وأنها تغطي كل مفاصل الحياة السياسية والاقتصادية والمجتمعية والمعيشية والخدمية. وتصل في محصلتها المركزية إلى مطلب تغيير النظام السياسي القائم على الطائفية ومحاصصتها.
وخامسها، الطابع السلمي الشامل والمستقر للحراك والحرص على استمراره وتعززه.
ولحسن الحظ فإن سلمية الجماهير يقابلها ويتوافق معها، موقف عقلاني ومتفهم لجيش لبنان الوطني والقوى الأمنية بعيداً عن العنف والقهر.
يزيد من جرعة الفرح أن أهل الحراك وناشطيه يقومون بأحداثه وفاعلياته اليومية جنباً إلى جنب مع نشاطات وفاعليات تستحضر وتبعث موجات إضافية من الفرح والسعادة. تبدأ بالموسيقى وبالأغاني الوطنية ومعها الدبكة، ثم حلقات النقاش والسمر واستقبال الفنانين، والتعاون في كل شيء يتطلبه الحراك والمواقع التي يقوم عليها، وفي أشكال أخرى.
وأما عن ومضات القلق فمبعث تسللها هو الخشية على الحراك، والشوق إلى أن يصل لمبتغاه ومطالبه بالسلم والروحية التي لا تزال قائمة وقوية.
أول ومضات القلق أن الحراك الجماهيري لم يفرز من بين صفوفه قيادة له تؤمن وتلتزم بمطالبه وتبلورها في صياغات محددة ومبسطة، وتعبر عنها وعن الحراك بكل صدق واندفاع مع أي جهة تفرض عليها ضرورات الحراك ومطالبه التواصل - أو التفاوض معها.
ومع غياب القيادة يغيب التصور المبدئي لآلية تحقيق الأهداف بأولوياتها وبمراحلها. فلا يمكن التصور أن أهل الحراك بما يؤكدونه من وعي وإدراك يمكن أن يكون لديهم وهم بإمكانية تحقيقهم لكامل أهداف ومطالب حراكهم مرّة واحدة وبدفعة واحدة.
عدم إفراز مثل هذه القيادة قد يفتح الباب ولو موارباً، لتسلل قيادات ورموز من الأحزاب والزعامات الطائفية إلى مشهد الحراك والقفز عنه والتنطح للنطق باسمه، في مسعى لتغيير مساره ليصب في مسار أهدافهم ومصالحهم.
وقد يفتح الباب لتسرب شكوك بوجود قيادات خلفية سرية للحراك تسيره وتوجهه - أيضاً من بين الأحزاب والزعامات الطائفية. وقد تصل إلى الشك بتدخل دول وسفارات وقوى خارجية وبمصادر للتمويل.
الحراك اللبناني، يعيد الإيمان والقناعة والثقة بكامل قوتها وتألقها بقدرة الجماهير وحركتها على فرض التغيير المطلوب في بلدانها وأنظمتها، وأنها استفادت من تجربة الربيع السابق، ولن تمكن القوى الظلامية أو صاحبة المصلحة أو تلك المرتبطة بأجندات خارجية من التحكم بها وقيادتها باتجاه أهدافها الخاصة.
وهذا ما يمكّن من القول: إننا أمام طبعة جديدة لربيع عربي أكثر عافية من طبعة الربيع العربي الماضية.
يؤكد ذلك، أن الحراك اللبناني يأتي لاحقاً بفترة زمنية قصيرة جداً للحراك السوداني والحراك التونسي، ويتزامن مع الحراك الجزائري والحراك العراقي. على ما هناك من فروقات متفاوتة فيما بين الحراكات المذكورة، أو مع الحراك اللبناني نفسه.
جميع الحراكات المذكورة تتوافق تماماً في عناوين:
الجماهيرية، والشبابية، وتغيير الأنظمة القائمة. إضافة إلى عناوين: السلمية، والانعتاق من الطائفية، ومن سيطرة الأحزاب التقليدية القائمة. لكن يبقى هناك افتراق نسبي مع الحراك العراقي حيث يتخلف قليلاً في العناوين الثلاثة الأخيرة وإن بدرجة متراجعة.
أما عن سؤال: هل يواصل الربيع الجديد تمدده وانتشاره ليصل إلى بلدان أخرى؟ فلا شك أن رياح الربيع الجديد تصل البلدان الأخرى وتفعل فعلها في تحفيز نظمها وقياداتها للمبادرة إلى إجراءات تصب في صالح تحسين حياة مواطنيها اليومية والارتقاء بها، وأخرى تصب في صالح تطوير نظمها وبرامجها في أكثر من مجال وفي المقدمة منها الاقتصادي، والمعيشي، والخدمي والديمقراطي.
وهو يأتي لاحقاً بفترة زمنية قصيرة لحراك السودان والجزائر وتونس ومتزامناً مع حراك العراق يفرض سؤالين:
السؤال الأول: هل نحن أمام طبعة جديدة ومنقحة للربيع العربي في عدد من البلدان العربية؟
والسؤال الثاني: هل يواصل الربيع الجديد تمدده وانتشاره ليصل إلى بلدان أخرى؟
أما عن السؤال الأول، فيصب لصالح الإجابة بنعم: الحراك اللبناني يتوافق بسمات أساسية مع الحراك السوداني والحراك الجزائري في الطابع الجماهيري الطاغي وفي الطابع السلمي لهما، كما يشترك معهما في هدفهما المركزي: تغيير النظام القائم.
وقد نجح الحراك السوداني في تغيير النظام فعلاً، ونجح الحراك الجزائري في فرض تعديلات مهمة على النظام وتسير نحو الزيادة والتطوير باتجاه الاكتمال.
وتميز الحراك السوداني أنه نجح ومنذ الأيام الأولى لقيامه في تشكيل قيادة له من بين صفوفه فرضت وجودها وقبولها، وتفاوضت بالنيابة عنه مع العسكر ونجحت في فرض وجودها في أجهزة الحكم الأساسية.
الحراك التونسي إذا كانت التسمية دقيقة فهو صنو الحراك اللبناني في جماهيريته الواسعة والحاكمة وفي سلميته التامة ولا طائفيته ولا حزبيته، وفي هدفه المركزي وهو إحداث تغيير في النظام القائم، والفرق هو أنه يفعل ذلك عن طريق مؤسسات الدولة التشريعية وبالوسائل الديمقراطية
أما عن الحراك العراقي – إذا جازت التسمية - فيتوافق مع الحراك اللبناني في جماهيريته من جهة ويفترق عنه بدرجات متفاوتة في سمات أساسية أخرى: يفترق عنه في هدف تغيير النظام القائم حيث يقبل الحراك العراقي الاكتفاء بتعديلات أساسية، ويفترق عنه بدرجة لا بأس بها في ما يخص طابعه السلمي، حيث تنتشر الأعمال العنفية في أكثر من موقع وبأكثر من شكل، مع الاعتراف بأن السبق واليد الطولى فيها تبقى لأجهزة أمن الدولة. ويفترق عنه في درجة الإبراء من الطائفية: ففي حين هي تامة في الحراك اللبناني فإنها نسبية وقلقة في العراقي.
أما عن السؤال الثاني، فلا شك أن رياح الربيع تصلها وتفعل فعلها في تحفيز نظمها وقياداتها للمبادرة إلى إجراءات تصب في صالح تحسين والارتقاء بحياة مواطنيها اليومية، وأخري تصب في صالح تطوير نظمها في أكثر من مجال، وفي المقدمة منها الاقتصادي المعيشي والخدمي والديمقراطي.
الحراك اللبناني وإخوانه تعيد الأمل بربيع جديد.